logo-mini

هل يبدد مقتل فلويد حلم لوثر كينغ بإنهاء العنصرية في أمريكا ؟

Partager

هل يبدد مقتل فلويد حلم لوثر كينغ بإنهاء العنصرية في أمريكا ؟

فجرت واقعة مقتل جورج فلويد المواطن الأمريكي من أصول إفريقية من ذوي البشرة السوداء، خنقا تحت ركبة رجل شرطة أبيض، يوم 25 ماي 2020، في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، الاحتجاجات و أعمال الشغب بالولايات المتحدة الأمريكية، رفعت خلالها شعارات منددة بالعنصرية ضد السود.

و أعاد مقتل جوروج فلويد إلى الواجهة الجدل القديم الجديد حول العنصرية و العبودية التي طبعت المجتمع الأمريكي على مدى عقود، و كان من أبرز المدافعين عن إنهاء العنصرية الزعيم الأمريكي مارتن لوثر كينغ، الذي اشتهر بخطابه التاريخي « لدي حلم » سنة 1963، غير أن حلمه بأن يعيش السود و البيض على حد سواء في مجتمع تسوده المساواة و الحرية و التعايش، بدأ يتبخر شيئا فشيئا مع تنامي و تكرار حوادث العنصرية بأمريكا.

و تعد حادثة مقتل جورج فلويد البالغ من العمر 46 سنة، أحدث واقعة يجري فيها تصوير حدث يظهر و حشية الشرطة مع رجل أسود و تثير احتجاجات على العنصرية في فرض القانون الأمريكي، حيث قتل منذ سنة 2014 أكثر من 100 أمريكي من أصل إفريقي في ظروف مشابهة على يد الشرطة.

و أججت الواقعة توترات عرقية في بلد منقسم سياسيا و تضرر بشدة من جائحة كورونا، و تجاوز فيه عدد المصابين المنحدرين من أصل إفريقي عدد المصابين البيض بالفيروس بوضوح.

و بعد أسبوع على مقتل جورج فلويد، عززت نيويورك ولوس انجليس و عشرات المدن الأميركية الأخرى إجراءاتها الأمنية و مددت حظر التجول الليلي لافراغ الشوارع، حيث اندلعت مواجهات بين الشرطة و المواطنين، و رفعت شعارات منددة بمقتله.

« لا أستطيع التنفس »

و من أبرز الشعارات التي أطلقها المتظاهرون « لا أستطيع التنفس » و هي آخر كلمات قالها جورج فلويد و هو يلفظ أنفاسه فيما كان شرطي يضغط بركبته على عنقه لتثبيته أرضا، إضافة إلى شعارات منددة بالعنصرية.

و انتشرت مقاطع فيديو صورها أحد المارة لآخر لحظات فلويد، يظهر فيها الشرطي ديريك شوفين (44 عاما)  راكعا على عنقه لحوالى تسع دقائق فيما الضحية جورج فلويد يردد « لا أستطيع التنفس ».

و أظهر تقرير الطبيب الشرعي أن فلويد قضى اختناقا جراء « الضغط على عنقه » واصفا الأمر بأنه جريمة قتل، مشيرا أيضا إلى أن فلويد كان تحت تأثير مخدّر أفيوني.

و إلى ذلك لم تشفع لا إقالة الشرطي ديريك شوفين الذي وجهت إليه تهمة ارتكاب جريمة قتل و لا توقيفه، في تهدئة الأجواء، حيث طالت التظاهرات 140 مدينة أميركية كما امتدت الى خارج الولايات المتحدة.

و شهدت مدن أميركية حظرا للتجول، من بينها لوس أنجلوس و فيلادلفيا و أتلانتا، فيما نشر الحرس الوطني الأميركي 5000 آلف عنصر من قواته و من القوات الجوية في 15 ولاية، علاوة على العاصمة واشنطن، فيما ذكرت أسوشيتد برس أنه تم استدعاء جميع عناصر الحرس الوطني الخاص بالعاصمة، و المقدر عددهم بنحو 1200 جندي.

و إلى ذلك اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب حركة « أنتيفا » اليسارية المناهضة للفاشية بالوقوف خلف الاحتجاجات، مؤكدا أنه سيصنفها « منظمة إرهابية ». و ترتبط عودة نشاط حركة « أنتيفا » في الولايات المتحدة بأحداث وقعت إثر وصول ترامب إلى الرئاسة، بعدما كانت خامدة لسنوات طويلة.

و لوَّح الرئيس الأمريكي يوم الإثنين 02 يونيو 2020، بنشر قوات الجيش لوقف أعمال العنف في البلاد التي تشهد موجة غضب تاريخية إثر مقتل جورج فلويد، متوعدا بإعادة فرض الأمن مجددا جراء احتجاج آلاف الأمريكيين على العنف الذي تمارسه الشرطة و العنصرية و التفاوت الاجتماعي تضاف إليها أزمة انتشار وباء كوفيد-19.

و فُرض حظر التجول في عشرات المدن الأمريكية و بمستويات لم تشهدها البلاد منذ أعمال الشغب التي أعقبت اغتيال الزعيم الأمريكي مارتن لوثر كينغ عام 1968، الذي اشتهر بخطابه الشهير « لدي حلم ».

إنهاء العنصرية : حلم لم يتحقق

الخطاب التاريخي الشهير  » لدي حلم »،  ألقاه الزعيم الأميركي من أصول إفريقية، و الناشط السياسي الإنساني، مارتن لوتر كينغ و الذي يعتبر من الداعين إلى إنهاء التمييز العنصري ضد السّود في الولايات المتحدة.

و ألقى لوتر كينغ خطابه الشهير « لدي حلم »، في 28 غشت سنة 1963، عند منصة تذكار إبراهام لنكولن، أثناء مسيرة واشنطن للحرية، حيث عبر عن حلمه في رؤية مستقبل يتعايش فيه السود و البيض بحرية و مساواة و تجانس.

و أضاف لوثر كينغ، الذي يعد أحد أبرز وجوه حركة الحقوق المدنية، في خطابه الذي ألقاه أمام ألاف من مناصري الحركة المدنية الأمريكية، « لدي حلم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون بين أمة و مجتمع لا يتعامل معهم بسبب لونهم، بل بقدر ما يحملون و يتقنون من أفكار و أعمال تفيد الأمة ».

و يبدو أنه رغم مرور حوالي ستين سنة على خطاب مارتن لوثر كينغ التاريخي في واشنطن، و الذي اعتبر منعطفا نحو القطع مع التمييز العنصري، ما زالت العنصرية تنخر المجتمع الأمريكي و هو ما أظهرته واقعة مقتل جوروج فلويد، التي بعثت من جديد فيروس العنصرية في بلاد العم سام، مما يشي بأن ما كان يحلم به لوثر كينغ  من مساواة و تعايش بين السود البيض لم يتحقق بعد، و يبدو أن طريق تحقيقه ما زال طويلا و شاقا.

و حسب تقارير إعلامية فإن العبودية و الفصل العنصري أصابا الولايات المتحدة الأمريكية، رغم المحاولات  من حين لآخر لمكافحة العنصرية كما برهن على ذلك نجاح حركة الحقوق المدنية أو انتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود، معتبرة في المقابل أن أمريكا فشلت في القضاء على فيروس العنصرية بشكل كلي.

فيروس العنصرية ينخر جسد المجتمع الأمريكي

و في هذا الشأن قالت صحيفة « تاغس أنتسايغر » السويسرية، بخصوص الاضطرابات المستمرة في الولايات المتحدة، إن أمريكا لم تنجح أبدا في القضاء على فيروس العنصرية.

و اعتبرت الصحيفة  وفق تقارير إعلامية أن الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب يتحمل أيضا المسؤولية في  فشل البلاد في القضاء على العنصرية، معتبرة أنه  قام بتأجيج الأحكام المسبقة العنصرية عندما اتهم مثلا الرئيس السابق باراك أوباما بأنه لم يولد على الأرض الأمريكية و بالتالي فهو ليس رئيسا شرعيا.

و من جهتها كتبت صحيفة « غازيتا فيبورتشا » البولندية اليسارية الليبرالية، أنه في هذا الغضب المتأجج تتضافر سنوات من الإذلال الذي يعاني منه الأمريكيون من أصل إفريقي في الولايات المتحدة الأمريكية.

 و أشارت الصحيفة إلى أنه إذا أرادت أمريكا تفادي هذا النوع من المشاهد في المستقبل، فعليها أن تتغير، معتبرة أنه يجب عليها أن تعاقب الساديين داخل الشرطة و مكافحة العنصرية و تبدأ في إلغاء التناقضات الاقتصادية.

و من جهته  أدان عضو الكونجرس الأمريكي، من أصل إسباني، خواكين كاسترو، مقتل جورج فلويد قائلا « إن التفاوت العنصري موجود في كل جانب من جوانب المجتمع الأمريكي من الثروة و الصحة إلى العمل و السكن إلى القدرة على زيارة الحدائق أو الذهاب للركض في الخارج. »

و من جانبه انتقد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما سياسات التمييز العنصري المتبعة في بلاده مشيراً إلى أن مقتل الأمريكي من أصول إفريقية جورج فلويد على يد الشرطة الأمريكية يجب ألا يعتبر « أمراً عادياً ».

و نقلت وكالة فرانس برس عن أوباما قوله في بيان نشره على موقع تويتر »علينا أن نتذكر أنه بالنسبة لملايين الأميركيين أمر عادي بشكل مأساوي و أليم إلى حد يدفع إلى الجنون أن يعاملوا معاملة مختلفة على أساس العرق… سواء في تعاطيهم مع نظام الرعاية الصحية أو مع النظام القضائي أو أثناء ممارسة رياضة الهرولة في الشارع أو مجرد مراقبة الطيور في منتزه ».

و يرى مراقبون أن حادثة مقتل جورج فلويد، ليست بمثابة حادثة معزولة، وأنها تؤشر على تنامي العنف والتطرف والتمييز في المجتمع الأمريكي، ضد الأقليات وعلى رأسها الأقلية السوداء، معتبرين  أن للحادثة دلالات واضحة على أن العنصرية لم تنته تماما داخل الولايات المتحدة على الرغم من الصورة التي يتم ترويجها على أن المجتمع الأمريكي ينعم بالعدل و المساواة و أن التمييز صار من الماضي.


Poster un Commentaire

quatre × trois =

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.