logo-mini

عقوبة الإعدام : بين ردع جرائم « اغتصاب و قتل الأطفال » و تكريس العنف في المجتمع

Partager

عقوبة الإعدام : بين ردع جرائم « اغتصاب و قتل الأطفال » و تكريس العنف في المجتمع


في ظل التنامي المتصاعد في الآونة الأخيرة لجرائم الاغتصاب و القتل و الاعتداء الجنسي التي يكون ضحيتها أطفال، و لعل من أبرزها حادثتي مقتل الطفل عدنان بمدينة طنجة و الطفلة نعيمة بمدينة زاكورة، تعالت أصوات على شبكات التواصل الاجتماعي، مطالبة  بتنفيذ عقوبة الإعدام في حق مرتكبي هذه الجرائم.

و يعتبر المطالبون بتنفيذ أحكام الإعدام في حق الجناة، أن هذه الآلية من شأنها أن تشكل رادعا للهؤلاء المجرمين مؤكدين أن تنفيذ عقوبة الإعدام يعد حلا زجريا و لا مناص منه للتصدي و لمحاربة هذا النوع من الجرائم و لمعاقبة مرتكبيها حتى يكونوا عبرة للآخرين.

و في المقابل يرفض آخرون إقرار تنفيذ عقوبة الإعدام في حق الجناة، معللين موقفهم بكون أحكام الإعدام غير دستورية و تقوض الحق المقدس في الحياة، معتبرين أنها تعنف المجتمع و لها تأثيرا همجيا على المجتمع، و أنها لن توقف جرائم اغتصاب و قتل الأطفال، و أن المجتمع ليس من مهامه نصب المشانق و إصدار الأحكام، بل هي مهمة القضاء.

أحكام الإعدام : الزجر و التصدي للجرائم

غصت منصات التواصل الإجتماعي في الأيام القليلة الماضية بالأصوات المطالبة بتنفيذ عقوبة الإعدام في حق مغتصب وقاتل  » الطفل عدنان » في مدينة طنجة، و ذلك بالنظر لبشاعة الجريمة، التي صدمت الرأي العام الوطني، معتبرين أن عقوبة الإعدام هي الحل الناجع و الزجري للتصدي لمثل هذه الجرائم الوحشية، و ردع الآخرين عن ارتكاب جرائم مماثلة.

و كالنار في الهشيم انتشر حينئذ وسم « الإعدام لقاتل عدنان »، عبر وسائط التواصل الإجتماعي و لا سيما موقع فيسبوك، حيث تداوله مئات الآلاف من النشطاء في محاولة لتشكيل قوة ضغط لاستصدار حكم الإعدام في حق الجاني، لكي يكون عبرة لكل من سولت له نفسه استباحة أجسام أطفال أبرياء، و الاعتداء على أسمى حق في الوجود ألا و هو الحق في الحياة.

و في هذا الشأن قال الخبير القانوني و المدون عمر الشرقاوي في تدوينة له على موقع « فيسبوك » أنه مع تنفيذ عقوبة الإعدام لكل من يختطف و يغتصب قاصرا و يقتله، مؤكدا رغبته في تأسيس ملتمس تشريع و جمع 25 ألف توقيع و تمريره في البرلمان للتصويت عليه.

و أضاف عمر الشرقاوي قائلا : « إنني مع بقاء هذه العقوبة الرادعة ضمن المنظومة الجنائية خصوصا في قضايا الاغتصاب المرفوق بالقتل للقاصرين و العمليات الإرهابية… لكن أنا كذلك مع تضييق نطاقها و تشديد ضمانات ممارستها حتى لا يساء استعمالها أو الإسراف في تطبيقها”.

و تابع بالقول : « لا يستحق الحياة أي وحش بربري ينزع الحياة عن طفل بريء بسبق إصرار و ترصد و يعبث بكرامته ثم يقتله و يدفنه بدم بارد ».

و من جانبه قال الباحث في الفكر الإسلامي منتصر حمادة في تدوينة له على موقع « فيسبوك »، معلقا على جريمة مقتل الطفل عدنان : « اختطفه و اغتصبه و قتله و دفنه »، مضيفا، « و بعد كل هذا الإجرام، سوف تجد من يعارض تطبيق حكم الإعدام باسم الدفاع عن حقوق الإنسان ».

و بدوره اعتبر الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق بمكناس الصوصي علوي عبد الكبير، في تدوينة له على ‘فيسبوك’، أن « الذين قالوا بأن الإعدام ليس حلا لزجر جريمة القتل العمد. ماذا لو طبق حد السرقة، حيث وجوب قطع يد السارق »، مضيفا، « أجزم أن قطع يد سارق واحد كافية لزجر جميع السراق »، معتبرا أن الغرض من العقوبة هو زجر آخرين أيضا.

و من جهتها دخلت جمعية « ما تقيش ولدي »، التي تنشط في مجال مكافحة الاعتداء الجنسي على الأطفال، على خط جريمة مقتل الطفل عدنان.

و طالبت الجمعية في بيان بتشديد العقوبات في قضايا الاغتصاب و الاستغلال الجنسي للقاصرات و القاصرين و وضع حد للإفلات من العقاب في جرائم الاغتصاب، لافتة إلى ضعف الإجراءات الحمائية لحقوق الطفل في المغرب.

و يذكر أن المغرب لم ينفذ أي حكم بالإعدام منذ سنة 1993، و ذلك على الرغم من وجود أكثر من 120 حكم قضائي بالإعدام في حق مرتكبي جرائم القتل.

و يبدو أن تنفيذ أحكام الإعدام في حق مرتكبي جرائم الاغتصاب و القتل و الاختطاف في حق الإطفال، قد خلفت انقساما في المغرب بين مطالب بتنفيذها و بين من يرفض ذلك بحجة أن عقوبة الإعدام ليست حلا و لن تنهي هذه الجرائم.

عقوبة الإعدام : ليست حلا و تكرس العنف في المجتمع

و في هذا الصدد عبرت أمينة بوعياش رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن رفضها لعقوبة الإعدام، معتبرة أنها « ليست عقوبة لا دستورية فقط لأنها تقوض الحق المقدس في الحياة، بل لأنها أيضًا عقوبة تؤدي إلى تعنيف المجتمع و لها تأثير همجي على المجتمع. 

و أكدت بوعياش في مقال تحت عنوان : « من أجل أطفالنا »، نشرته يوم الإثنين الماضي، أن « عقوبة الإعدام، تظل بالفعل، أحد الانتهاكات الجسيمة للحق في الحياة، هذا الحق الأصلي و السامي و المطلق الذي بدونه لا وجود لأية حرية أو عدالة ».

و سجلت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان  أن « الفصل 20 من الدستور واضح و حاسم دون أي التباس، و اعتبار الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان و يحمي القانون هذا الحق ».

و أردفت أن مواطني المجتمعات التي تطبق فيها عقوبة الإعدام، و بالتالي لا تحترم فيها الدولة بنفسها الحق في الحياة، أقل ميلا لاحترام هذا الحق، و يسجل بهذه المجتمعات ميل أكبر إلى ارتكاب أفظع الجرائم و أكثرها وحشية. مشددة على أنه ليس لعقوبة الإعدام أي تأثير رادع؛ بل على العكس من ذلك، فهي تغذي دائرة العنف التي تحاصر المجتمع، الذي يتبنى منطق الانتقام كإطار جنائي.

و في مداخلة له خلال ندوة نظمتها جريدة « هسبريس » حول البيدوفيليا و تفعيل عقوبة الإعدام أكد الكاتب و النّاشط الحقوقي الأمازيغي، أحمد عصيد، أنّ « تطبيق عقوبة الإعدام في حقّ المجرم ليس حلاً و لن ينهي المشكل، لأنّ هناك فئة داخل المجتمع تطالب بتطبيق « شرع اليد »، و تريد امتلاك السّلطة للانتقام، و هذا أمر خطير. هؤلاء لا يقلون وحشية عن الوحش نفسه الذي اعتدى على الطّفل »، مبرزاً أنّ « هذا السلوك لا يحترم الدولة و القانون ».

و لفت عصيد إلى أنّ « عقوبة الاعدام تمثّل بداية مشكل و ليس نهايته لأنّ المطالبة بقتل الجاني و سلب حياته لن ينهي المشكل الأصلي »، موضحا أنّ « مجتمعا يحل مشاكله بالعنف هو مجتمع يسير في الطريق الخطأ. معتبرا أن لا شيء يحل بالعنف ».

و زاد قائلا : « ظاهرة اغتصاب الأطفال ليست لها علاقة بديانة معيّنة أو وطن معيّن، هي ظاهرة عالمية كونية. إذ توجدُ في فرنسا، مثلاً، ظواهر اختطاف الأطفال و اغتصابهم ».

و أبرز الناشط الحقوقي الأمازيغي وفق ذات المصدر أن السّجن المؤبد هو عقاب. لكن « القتل » هو إفلات من العقاب »، معربا عن أمله بأن تتحول عقوبة الإعدام إلى سجن مؤبّد أو عقوبات بديلة، معتبرا أن الحكم بالإعدام و إلغاء حياة المجرم « لن يخلصنا من ظاهرة البيدوفيليا في المجتمع ».

و طالب عصيد بإلغاء ما سماها ثقافة « حشومة » لأنّها تبرّر الاعتداءات على الأطفال، مقترحا في المقابل التركيز على حقوق الطفل، مع إمكانية تغيير عقلية المجتمع المغربي في التعامل مع الأطفال، لأنّ « هذه المعاملة يجب أن تتغير وفقا لنظام تربوي جديد ».

إعدام مع وقف التنفيذ

و جدير بالذكر أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، و قبله المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان و هيئة الإنصاف و المصالحة، دعت في تقريرها النهائي، إلى الدعوة إلى مصادقة المغرب على البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية الخاص بإلغاء عقوبة الإعدام تحت أي ظرف كان.

و يعد المغرب واحدا من ضمن 36 بلدا التي أبقت على عقوبة الإعدام مع وقف التنفيذ، كما تم خلال الفترة الممتدة من فاتح أبريل 2016 إلى حدود يوليوز 2019، تمتيع ما مجموعه 45 محكوما عليه بالإعدام بالعفو الملكي. حسب ما ورد في حصيلة وزارة العدل لسنة 2018.

و على الصعيد الدولي و وفقا لمنظمة العفو الدولية، فإن عدد البلدان، التي ألغت عقوبة الاعدام في القانون، أو لا تطبقها في فعليا بلغ 142 دولة، في حين مازالت العقوبة تطبق في 56 دولة، بينما هناك دول عادت لتنفيذ حكم الإعدام، اثر ارتفاع نسبة جرائم اغتصاب الأطفال بها، من قبيل الهند التي أقرت تعديلا قانونيا في 2018 بتطبيق عقوبة الإعدام على مغتصبي الأطفال.


Poster un Commentaire

deux × cinq =

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.